علي بن محمد أحمد المالكي ( ابن الصباغ )

1013

الفصول المهمة في معرفة الأئمة

قراءة ( 1 ) هذه الصحيفة الّتي هي صحيفة العهد والميثاق [ نرجو أن نجوز بها الصراط ] ظهرها وبطنها ( 2 ) بحرم سيّدنا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بين الروضة والمنبر على رؤوس الأشهاد وبمرأى ومسمع من وجوه بني هاشم وسائر الأولياء والأخيار [ والأحفاد ] بعد أخذ البيعة عليهم واستيفاء شروطها بما أوجبه أمير المؤمنين من العهد لعليّ بن موسى الرضا ( عليه السلام ) لتقوم به الحجّة على جميع المسلمين ولتبطل ( 3 ) الشبهة الّتي كانت اعترضت آراء ( 4 ) الجاهلين ، وما كان لله ليَذرَ المؤمنين على ما أنتم عليه . وكتب الفضل بن سهل بحضرة أمير المؤمنين في تاريخ المعيّن فيه ( 5 ) .

--> ( 1 ) في ( ب ) : فقراءة ، وفي ( أ ) : بقراءة . ( 2 ) في ( أ ) : ظهراً وبطناً . ( 3 ) في ( أ ) : تبطل ، وفي ( ج ) : لتبطل . ( 4 ) في ( أ ) : اعترضته لآراء . ( 5 ) ونحن نشير هنا إلى النصّ الكامل لكتاب العهد وهو : بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب كتبه عبد الله بن هارون الرشيد أمير المؤمنين لعليّ بن موسى بن جعفر وليّ عهده أمّا بعد ، فإنّ الله عزّوجلّ اصطفى الإسلام ديناً ، واصطفى له من عباده رسلاً دالّين عليه وهادين إليه ، يبشّر أوّلهم بآخرهم ، ويصدّق تاليهم ماضيهم ، حتّى انتهت نبوّة الله إلى محمّد ( صلى الله عليه وآله ) على فترة من الرسل ، ودروس من العلم ، وانقطاع من الوحي ، واقتراب من الساعة . فختم الله به النبيّين وجعله شاهداً لهم ومهيمناً عليهم ، وأنزل عليه كتابه العزيز الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد ، بما أحلّ وحرّم ، ووعد وأوعد ، وحذّر وأنذر ، وأمر به ونهى عنه ، لتكون له الحجّة البالغة على خلقه ، ليهلك من هلك عن بيّنة ، ويحيى من حيّ عن بيّنة ، وإنّ الله لسميعٌ عليم . فبلّغ عن الله رسالته ، ودعا إلى سبيله بما أمره به من الحكمة والموعظة الحسنة ، والمجادلة بالّتي هي أحسن ، ثمّ بالجهاد والغلظة ، حتّى قبضه الله إليه ، واختار له ما عنده . فلمّا انقضت النبوّة وختم الله بمحمّد ( صلى الله عليه وآله ) الوحي والرسالة جعل قوام الدين ونظام أمر المسلمين بالخلافة ، وإتمامها وعزّها والقيام بحقّ الله تعالى فيها بالطاعة الّتي بها تقام فرائض الله وحدوده ، وشرائع الإسلام وسننه ، ويجاهد بها عدوّه . فعلى خلفاء الله طاعته فيما استحفظهم واسترعاهم من دينه وعباده ، وعلى المسلمين طاعة خلفائهم ومعاونتهم على إقامة حقّ الله وعدله وأمن السبيل وحقن الدماء وصلاح ذات البين وجمع الأُلفة . وفي خلاف ذلك اضطراب حبل المسلمين واختلالهم واختلاف ملّتهم وقهر دينهم واستعلاء عدوّهم وتفرّق الكلمة وخسران الدنيا والآخرة . فحقّ على مَن استخلفه الله في أرضه وائتمنه على خلقه أن يجهد لله نفسه ويؤثر ما فيه رضا الله وطاعته ، ويعتدّ لما الله موافقه عليه ومسائله عنه ، ويحكم بالحقّ ، ويعمل بالعدل فيما حمّله الله وقلّده ، فإنّ الله عزّوجلّ يقول لنبيّه داود ( عليه السلام ) : ( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْناَكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ ) 1 وقال الله تعالى : ( فَوَرَبِّكَ لَنَسْئلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) 2 . وبلغنا أنّ عمر بن الخطّاب قال : لو ضاعت سخلة بشاطئ الفرات لتخوّفت أن يسألني الله عنها ، وأيم الله إنّ المسؤول عن خاصّة نفسه الموقوف على عمله فيما بينه وبين الله ليعرض على أمر كبير وعلى خطر عظيم ، فكيف بالمسؤول عن رعاية الأُمّة ، وبالله الثقة ، وإليه المفزع والرغبة في التوفيق والعصمة ، والتسديد والهداية ، إلى ما فيه ثبوت الحجّة ، والفوز من الله بالرضوان والرحمة . وأنظر الأُمّة لنفسه وأنصحهم لله في دينه وعباده من خلفائه ( خلائقهم - خ ل ) في أرضه مَن عمل بطاعة الله وكتابه وسنّة نبيّه ( صلى الله عليه وآله ) في مدّة أيّامه وبعدها ، وأجهد رأيه ونظره فيمن يولّيه عهده ، ويختاره لإمامة المسلمين ورعايتهم بعده ، وينصّبه عَلماً لهم ومفزعاً في جمع أُلفتهم ولمّ شعثهم وحقن دمائهم ، والأمن بإذن الله من فرقتهم ، وفساد ذات بينهم واختلافهم ، ورفع نزغ الشيطان وكيده عنهم ، فإنّ الله عزّوجلّ جعل العهد بعد الخلافة من تمام أمر الإسلام وكماله ، وعزّه وصلاح أهله ، وألهم خلفاءه من توكيده لمن يختارونه له من بعدهم ما عظمت به النعمة وشملت فيه العافية ، ونقض الله بذلك مكر أهل الشقاق والعداوة ، والسعي في الفرقة والتربّص للفتنة . ولم يزل أمير المؤمنين منذ أفضت إليه الخلافة ، فاختبر بشاعة مذاقها ، وثقل محملها ، وشدّة مؤونتها ، وما يجب على من تقلّدها من ارتباط طاعة الله ، ومراقبته فيما حمّله منها ، فأنصب بدنه ، وأسهر عينه ، وأطال فكره ، فيما فيه عزّ الدين وقمع المشركين ، وصلاح الأُمّة ، ونشر العدل ، وإقامة الكتاب والسنّة ، ومنعه ذلك من الخفض 3 والدَعة 4 ومهنأ العيش ، علماً بما الله سائله عنه ، ومحبّة أن يلقى الله مناصحاً له في دينه وعباده ، ومختاراً لولاية عهده ، ورعاية الأُمّة من بعده ، أفضل من يقدر عليه في دينه وورعه وعلمه ، وأرجاهم للقيام في أمر الله وحقّه ، مناجياً الله بالاستخارة في ذلك ومسألته الهامّة ما فيه رضاه وطاعته في آناء ليله ونهاره ، معملاً في طلبه والتماسه في أهل بيته ، من ولد عبد الله بن العباس وعليّ بن أبي طالب فكره ونظره ، مقتصراً ممّن علم حاله ومذهبه منهم على علمه ، وبالغاً في المسألة عمّن خفي عليه أمره جهده وطاقته . حتّى استقصى أُمورهم معرفةً ، وابتلى أخبارهم مشاهدةً ، واستبرأ أحوالهم معاينةً ، وكشف ما عندهم مساءلةً . فكانت خيرته بعد استخارته لله ، وإجهاده نفسه في قضاء حقّه في عباده وبلاده ، في البيتين جميعاً " عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ( عليهم السلام ) " لمّا رأى من فضله البارع ، وعلمه النافع ، وورعه الظاهر ، وزهده الخالص ، وتخلّيه من الدنيا ، وتسلّمه من الناس . وقد استبان له ما لم تزل الأخبار عليه متواطئة ، والألسن عليه متّفقة ، والكلمة فيه جامعة . ولمّا لم يزل يعرفه به من الفضل يافعاً وناشئاً ، وحدثاً ومكتهلاً ، فعقد له بالعهد ( بالعقد - خل ) والخلافة من بعده 5 ، واثقاً بخيرة الله في ذلك ، إذ علم الله أنّه فعله إيثاراً له وللدين ، ونظراً للإسلام والمسلمين ، وطلباً للسلامة ، وثبات الحجّة ( الحق - خ ل ) ، والنجاة في اليوم الّذي يقوم الناس فيه لربّ العالمين . ودعا أمير المؤمنين ولده وأهل بيته وخاصّته وقوّاده وخدمه ، فبايعوا مسرعين مسرورين ، عالمين بإيثار أمير المؤمنين طاعة الله على الهوى في ولده وغيرهم ، ممّن هو أشبك منه رحماً ، وأقرب قرابةً ، وسمّاه " الرضا " إذ كان رضيّ عند أمير المؤمنين . فبايعوا معشر أهل بيت أمير المؤمنين ، ومَن بالمدينة المحروسة من قوّاده وجنده ، وعامّة المسلمين لأمير المؤمنين ، وللرضا من بعده 6 عليّ بن موسى ( عليهما السلام ) على اسم الله وبركته ، وحسن قضائه لدينه وعباده ، بيعةً مبسوطةً إليها أيديكم ، منشرحةً لها صدوركم ، عالمين بما أراد أمير المؤمنين بها ، وآثر طاعة الله ، والنظر لنفسه ولكم فيها ، شاكرين لله على ما ألهم أمير المؤمنين من قضاء حقّه في رعايتكم ، وحرصه على رشدكم وصلاحكم ، راجين عائدة ذلك في جمع أُلفتكم ، وحقن دمائكم ، ولمّ شعثكم ، وسدّ ثغوركم ، وقوّة دينكم ، ووقم 7 ( ورغم - خ ل ) عدوّكم ، واستقامة أُموركم . وسارعوا إلى طاعة الله وطاعة أمير المؤمنين ، فإنّه الأمن إن سارعتم إليه ، وحمدتم الله عليه ، وعرفتم الحظّ فيه إن شاء الله . وكتب بيده في يوم الاثنين لسبع خلون من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين . صورة ما كان على ظهر العهد بخطّ الإمام عليّ بن موسى الرضا ( عليهما السلام ) : بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الفعّال لما يشاء ، لا معقّب لحكمه ، ولا رادّ لقضائه ، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، وصلّى الله على نبيّه محمّد خاتم النبيّين وآله الطيّبين الطاهرين . أقول وأنا عليّ بن موسى الرضا : إنّ أمير المؤمنين عضده الله بالسداد ووفّقه للرشاد عرف من حقّنا ما جهله غيره ، فوصل أرحاماً قُطعت ، وآمن نفوساً ( أنفساً - خ ل ) فُزعت ، بل أحياها وقد تلفت ، وأغناها إذ افتقرت ، مبتغياً رضا ربّ العالمين ، لا يريد جزاءً من غيره ، وسيجزي الله الشاكرين ، ولا يضيع أجر المحسنين . وإنّه جعل إليَّ عهده ، والإمرة الكبرى إن بقيت بعده ، فمن حلّ عقدةً أمر الله بشدّها ، وقصم عروةً أحبّ الله إيثاقها ، فقد أباح حريمه ، وأحلّ محرمه ، إذ كان بذلك زارياً على الإمام ، منتهكاً حرمة الإسلام ، بذلك جرى السالف ، فصبر منه على الفلتات ، ولم يعترض بعدها على العزمات ، خوفاً على شتات الدين ، واضطراب حبل المسلمين ، ولقرب أمر الجاهلية ، ورصد فرصة تُنتهز ، وبائقة تُبتدر . وقد جعلت لله على نفسي - إن استرعاني أمر المسلمين وقلّدني خلافته - العمل فيهم عامّةً ، وفي بني العباس بن عبد المطّلب خاصّة ، بطاعته وطاعة رسوله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأن لا أسفك دماً حراماً ، ولا أُبيح فرجاً ولا مالاً ، إلاّ ما سفكته حدود الله وأباحته فرائضه ، وأن أتخيّر الكفاة 8 جهدي وطاقتي . وجعلت بذلك على نفسي عهداً مؤكّداً يسألني الله عنه ، فإنّه عزّوجلّ يقول : ( أَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً ) 9 وإن أحدثتُ أو غيّرتُ أو بدّلتُ كنتُ للغِيَر 10 مستحقّاً وللنكال متعرّضاً ، وأعوذ بالله من سخطه ، وإليه أرغب في التوفيق لطاعته ، والحول بيني وبين معصيته في عافية لي وللمسلمين . والجامعة والجفر يدلاّن على ضدّ ذلك ، وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ، إنِ الحكم إلاّ لله يقضي بالحقّ وهو خير الفاصلين . لكنّي امتثلت أمر أمير المؤمنين ، وآثرت رضاه ، والله يعصمني وإيّاه ، وأشهدت الله على نفسي بذلك ، وكفى بالله شهيداً 11 . وكتبت بخطّي بحضرة أمير المؤمنين أطال الله بقاءه ، والفضل بن سهل ، وسهل بن الفضل ، ويحيى بن أكثم ، وعبد الله بن طاهر ، وثمامة بن أشرس ، وبشر بن المعتمر ، وحمّاد بن النعمان ، في شهر رمضان سنة إحدى ومائتين 12 . الشهود على الجانب الأيمن : شهد يحيى بن أكثم على مضمون هذا المكتوب ظهره وبطنه ، وهو يسأل الله أن يعرّف أمير المؤمنين وكافّة المسلمين بركة هذا العهد والميثاق ، وكتب بخطّه في التاريخ المبيّن فيه . عبد الله بن طاهر بن الحسين : أثبت شهادته فيه بتاريخه . شهد حمّاد بن النعمان بمضمونه ظهره وبطنه ، وكتب بيده في تاريخه . بشر بن المعتمر : يشهد بمثل ذلك . الشهود على الجانب الأيسر : رسم 13 أمير المؤمنين أطال الله بقاءه قراءة هذه الصحيفة - الّتي هي صحيفة الميثاق ، نرجو أن نجوز بها الصراط - ظهرها وبطنها بحرم سيّدنا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بين الروضة والمنبر على رؤوس الأشهاد ، بمرأىً ومسعمع من وجوه بني هاشم وسائر الأولياء والأحفاد ، بعد استيفاء شروط البيعة عليهم ، بما أوجب أمير المؤمنين الحجّة به على جميع المسلمين ، ولتبطل الشبهة الّتي كانت اعترضت آراء الجاهلين ، وما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه . 1 - ص : 26 . 2 - الحجر : 92 و 93 . 3 - يقال : هو في خفض من العيش : أي في لين وسعة . 4 - الدَعة : السكينة والراحة والرفاه . 5 - أخذنا أخبار كشف الغمّة من نسخة قديمة مصحّحة كانت عليها إجازات العلماء الكرام ، وكان مكتوباً عليها في هذا الموضع على الهامش أشياء نذكرها وهي هذه : وكتب بقلمه الشريف تحت قوله : والخلافة من بعده " جعلت فداك " . وكتب تحت ذكر اسمه ( عليه السلام ) " وصلتك رحم وجزيت خيراً " . وكتب عند تسميته بالرضا " رضي الله عنك وأرضاك وأحسن في الدارين جزاك " . وكتب بقلمه الشريف تحت الثناء عليه " أثنى الله عليك فأجمل ، وأجزل لديك الثواب فأكمل " . ثمّ كان على الهامش بعد ذلك " العبد الفقير إلى الله تعالى الفضل بن يحيى - عفا الله عنه - قابلت المكتوب الّذي كتبه الإمام عليّ بن موسى الرضا صلوات الله عليه وعلى آله الطاهرين مقابلة بالّذي كتبه الإمام المذكور ( عليه السلام ) حرفاً فحرفاً ، وألحقت ما فات منه ، وذكرت أنّه من خطّه ( عليه السلام ) . وذلك في يوم الثلاثاء مستهلّ المحرّم من سنة تسع وتسعين وستمائة الهلالية بواسط ، والحمد لله على ذلك وله المنّة ، إنتهى " . 6 - هنا زاد في المصدر داخل معقوفتين " كتب بقلمه الشريف بعد قوله : " وللرضا من بعده " : بل آل من بعده " وذكر أنّها في بعض النسخ دون غيرها . 7 - وقَم وأوقم الرجل : قهره وردّه عن حاجته أقبح الردّ . 8 - أي : أختار لكفاية أُمور الخلق وإمارتهم من يصلح لذلك . 9 - الإسراء : 34 . 10 - بكسر الغين وفتح الياء اسم للتغيير . 11 - تقدّم " صوره ما كان على ظهر العهد بخطّه ( عليه السلام ) " على شكل خطاب للناس . 12 - أورد " صورة ما كان على ظهر العهد بخطّه ( عليه السلام ) " ابن شهرآشوب في المناقب : 3 / 473 مرسلاً . 13 - رسم : أي كتب وأمر أن تُقرأ هذه الصحيفة في حرم الرسول ( صلى الله عليه وآله ) .